السيد محمد باقر الصدر
81
محاضرات تأسيسية ( تراث الشهيد الصدر ج 21 )
بقياس ، لا من سنخ القضايا الأوّليّة ؛ لأنّ العقل لا يصدّق بها بمجرّد تصوّر طرفيها ، بل يوسّط ما لا يكاد يغيب عن الذهن ، إلى درجة أنّ العقل يخطو معه إلى النتيجة بدون فاصل زمني أو تأمّل . وإمّا أن نقول : إنّ القضيّة المحسوسة قضيّة جزئيّة لا كلّيّة ، والعقل لا يحكم بأنّ كلّ محسوس موجود على نحو القضيّة الكلّيّة ، بل يحكم بأنّ هذا موجودٌ على نحو القضيّة الجزئيّة ؛ وذلك أنّ الإحساس يوجِد في الإنسان التصديق ، وهذا قانون جعله اللَّه تعالى في الحسّ كما جعل النار موجدةً للحرارة ، بحيث ينصبُّ القطع على قضيّة جزئيّة من أوّل الأمر . وهناك عدّة فوارق ظاهرة بين هذين التصويرين ، أحدها : أنّنا إذا فرضنا أنّ القضيّة المحسوسة عبارة عن تلك القضيّة الكلّيّة العامّة كما ذكرنا ، فيصدق بهذا أنّ معارف العقل الأوّل كلّها معارف شرطيّة وإجماليّة ومعلّقة ، وليست معارف وجوديّة بحسب مصطلح العصر الحديث ، أو تنجيزيّة بحسب اصطلاحنا في علم الأصول ؛ بمعنى أنّ جميع معارف العقل الأوّل ترجع إلى قضايا إجماليّة أو قضايا شرطيّة ؛ فإنّ « الاثنين نصف الأربع » معرفة شرطيّة وليست معرفة وجوديّة ، بمعنى أنّه لو وجد شيء وكان اثنين ، فسيكون نصف الأربعة . وهذه القضيّة لا تنبئ عن شيء في عالم الوجود بالفعل ، وإنّما تنبئ عنه على نحو القضيّة الشرطيّة ، وهكذا قولنا : « الجزء أصغر من الكل » . وهذا الأمر يجري حتّى في القضايا المحسوسة ؛ لأنّنا أرجعنا حكم العقل الأوّل في القضايا المحسوسة إلى قضية كلّيّة ، والقضيّة الكلّيّة قضيّة شرطيّة ، بمعنى أنّ الإنسان إذا أحسّ بشيءٍ من عالم الخارج ، فهذا يعني أنّ ما أحسّ به موجودٌ في ذلك العالم . إذن : العقل الأوّل لا ينبئ عن معرفة وجوديّة ، وإنّما ينبئ عن أمور